لا يمكن فهم التفاوض المباشر الذي أجراه النظام اللبناني مع الكيان بوصفه حدثًا طارئًا، فهو خطوة على مسار تطبيعي قديم. ففي عام 2002، انضم لبنان إلى ما سمّي مبادرة السلام العربية التي طرحت التطبيع مع الكيان. ومن الملفت أن هذه المبادرة عُقدت في بيروت وبعد عامين من تحرير جنوب لبنان دون قيد أو شرط. من بعدها، تبنت كل الحكومات اللبنانية هذا التوجّه نحو التطبيع، والكيان هو من رفض. وعام 2006، قبِل لبنان بالقرار رقم 1701 الذي نصّ على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني وعلى وجود قوات الأمم المتحدة جنوب الليطاني، دون أية قيود أو قوات على جانب فلسطين المحتلة. وعام 2022، وقّع لبنان اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع الكيان وهو اتفاق تضمن خريطة فلسطين باسم "إسرائيل" واعتراف بما سمّي "حقوق إسرائيل"، معترفًا بالكيان دولة شرعية. وهو قرار رحّب به كل زعماء الطوائف. وضمن المسار ذاته، لم تغب السياسات التطبيعية في أي من الحكومات اللبنانية، سواء تلك التي طغت فيها الجهة "الممانعة" أو التي طغت فيها الجهة "السيادية" أو حكومات "الوحدة الوطنية". فأُلغيت الخدمة العسكرية الإلزامية، وسُلّم تدريب وتسليح الجيش للولايات المتحدة وقطر، ولم يؤَسَّس لإنتاج السلاح، وسُمح بمناهج دراسية مطبّعة، ولَم تُبنَ ملاجئ، ولم تُجهّز خطط إغاثة، ولم يُؤسس لإعلام مقاوم. والأهم أن النظام الطائفي الذي أسسته القوى الإمبريالية نفسها التي أسست الكيان والذي يستغله الكيان لتفيت المجتمع اللبناني لم يُفكّك، بل ثُبِّت. ولأن هذا النظام الطائفي والرأسمالي قد أنتج مسارًا من التطبيع، لا يمكن الاكتفاء برفض قرارات الحكومة الحالية. وما من حل سوى في تبني مشروع سياسي على نقيض تام مع كل ما سبق. بطبيعة الحال، لن يحمل زعماء الطوائف مشروعًا على نقيض مسارهم. لذا، تحثّ مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة المواطنين والمقيمين في لبنان على اتخاذ قرار الانتظام السياسي لفرض مشروعهم التحرري، وتشدّ على أيدي من اتخذوا ذلك القرار لتغيير المسار معروف الوجهة. فنضالكم الفاعل في وجه نظامكم العاجز هو خير ما تقدمونه لمجتمعكم ولفلسطين.